السيد محمد تقي المدرسي
173
من هدى القرآن
والاصطفاء ، وقد بيَّن الله ذلك حتى لا تصير قصة يونس عليه السلام مع قومه سببا للطعن فيه ، والنيل من شخصيته . والآية تهدينا إلى أن الإنسان بعد التوبة يمكن أن يسمو بنفسه إلى مقام يجتبيه ربه ، فيصيِّره في عداد أئمة الصلاح والتقوى ، كما تهدينا عموم قصة يونس إلى أن الله يمتحن الرساليين بعناد أقوامهم ليرى هل يصبرون لحكمه أم لا . [ 51 - 52 ] وبعد أن يأمر الله نبيه ( وعبره كل داعية رسالي ) بالصبر لحكم الله ، مشيرا إلى قصة صاحب الحوت النبي يونس وتجربته مع قومه ، ومحذرا له من الوقوف كموقفه في هذا الجانب ، يواصل الكلام في ذلك الأمر ، مؤكدا على الصبر في طريق الرسالة ، مهما كانت التحديات المضادة والضغوط مدعاة للتخلي عن الرسالة أو ردات الفعل العشوائية ضد المكذبين والكافرين . « وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ » أي اصبر لحكم ربك بالرغم من ذلك ، والزلق من الانحراف ، قال أهل اللغة : أزلقه : أزلَّه وأبعده عن مكانه ونحَّاه ، وزلقت القدم : لم تثبت ، والفرس أجهضت وألقت ولدها قبل تمامه ، والأرض الزلقة : الملساء التي لا شيء فيها ، ولا تثبت عليها قدم . . فيزلقونك إذن بمعنى يُزلِّون قدمك عن مسيرة الحق ، سواء بالمداهنة التي يودها المكذبون أو بالمواجهة والتحدي . ولقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن معنى الإزلاق بالأبصار هو الحسد الذي يؤثر في الإنسان بصورة غيبية ، ونقلوا عن الرسول صلى الله عليه وآله : إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ ] « 1 » ، وقوله يعوِّذ الحسنين : أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ وأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا عَامَّةً مِنْ شَرِّ السَّامَّةِ والْهَامَّةِ ومِنْ شَرِّ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ومِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ] « 2 » ، وقد يكتشف البشر أسرار ظاهرة الحسد إذا تقدموا في العلم ودراسة الحالات النفسية . ولكن الأقرب من هذا المعنى أنها كناية عن المواقف الحاقدة التي تعبر عنها نظراتهم الحادة كالسهم النافذ وكحد الحسام المرهف . ونحن من هذه الظاهرة البصرية يجب أن ننطلق لمعرفة ما وراءها وما تعبر عنه من الضغوط ، والمواقف النفسية والاجتماعية والسياسية للكفار ضد كل قيادة رسالية تنشد التغيير ، وبالذات إعلامهم الموبوء بمختلف الدعايات والتهم الباطلة . « وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ » وقولهم هذا يعبر عن ذلك الفيض الذي امتلأت به قلوبهم والموقف الذي أظهرته أبصارهم ، وهكذا كلمات القرآن يفسر بعضها بعضا ، فقوله سبحانه : « لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ » يفسر قوله سبحانه : « وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ » ، فعبر أبصارهم الحادة وكلماتهم النابية يريدون إبعادك عن الصراط المستقيم . واليوم ومع تطور الوسائل الإعلامية ينبغي أن يتوقع كل مصلح رسالي أن يواجه المزيد من الضغوط في مسيرته ، وبالتالي عليه أن يصبر في
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 60 ، ص 20 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 529 .